هذه سياسة يا حبيبي

مايو 27, 2012
الصورة لـ محمود المنيراوي

الصورة لـ محمود المنيراوي

الكُل في مصر متطرف، ولا يريد فقط سوى الاستيلاء على الكرسي، ويحاولون الحصول عليه عن طريق “الاستهبال من بعدِ الازبهلال”. قرأتُ منذُ قليل أن أحد الداعمين لحمدين صباحي، طلبَ من جماعة الإخوان المسلمين أن يتنازل مرشحهم محمد مرسي لصالح صباحي. طيب لماذا أيّها العبقري تطلب منهم ذلك؟. قلّك لنقطع الشك باليقين في شأن حقيقة ادعائهم بأنّهم يطلبون دعم صباحي وأبو الفتوح لمرشحهم فقط للحفاظِ على الثورة من أن يسرقها الفريق أحمد شفيق منهم جميعاً.  فإذا فعلها الإخوان فهم ناس “كويسين”، فحمدين صباحي وحده لا شريكَ له القادر على حماية الثورة. طيب يا حبيبي لماذا لا تدعمون أنتم الإخوان؟ وبهذا تستطيعون حماية الثورة من شفيق “أبو رجل مسلوخة”. سأقول أنا لكَ لماذا، لأنكم ترون أنهم “حرامية” الثورة، والمتسلقين بحبالها، وهذا صحيح على الرغم من اختلاقي معكَ في أنهم “حرامية” فهم استحقوا ما حصلوا عليه، لكني سأضيف عليك أن الاخوان أيضاً يرون مثلكم أن مرشحهم وحده القادر على الحفاظِ على الثورة من أن يسرقها الفلول أو الشباب الضال أمثال حمدين واتباعه فأنتم أيضاً في نظرهم شباب ضال سيقود مصر إلى الغي والكفر والعياذ بالله.

الآآآن يا حبيب أمّك، وعلى اعتبار أن شفيق الرجل الذي عاد لينتقم وأنه من “الفلول”، تفضل أجبني وستربح قبلة مجانية مني، ما الفرق بهذا الحال بين الإخوان وبين شفيق؟.

يذكّرني الثوار أو الحالة الثورية في دكتور حامد أبو زيد حينَ تحدث عن الفزع، وكيفَ أنه يقود الملتبس بهِ للعبودية الغير مباشرة. وهذا فعلاً ما يحصل في مصر ومعظم الوطن العربي، صاروا فزعى من “الفلول” وذيولهم، وأيضاً “بالصلى ع النبي” يفزعون على الثورة وشبابها، فقادهم الفزع إلى التطرف والاعتقاد بأنهم دون غيرهم على صواب، فاصيبوا بالتخبط نظراً لأنهم لا يملكون أيضاً جسماً واضحَ المعالم يجعلهم يواجهون الآخر سواء أكان اخوانياً أو عسكرياً.

بالمناسبة، أنا كُنت ضد حمدين صباحي، أولاً لاختلافي مع السلفيّة الناصرية. وثانياً والأهم هو ما رأيته في غالبيهِ داعميه أنهم يبحثون عن المخلّص والزعيم والقائد، ويرونَ فيهِ جمال عبد الناصر جامع الأمّة العربية ومُحرر فلسطين من النهرِ إلى البحر، وقاهر الصهيونية والامبريالية والكثير من الكلام الكبير. فأنا كنتُ اعتقد أن أحد أسباب الثورة الرئيسية هو التخلّص من الرجل الكبير أو الزعيم المسيطر.

لو كنتُ واحداً منهم لاقترحت عليهم فترة “الصمتُ الثوري” خاصة أن الخيار الديمقراطي للشعب أفرز ما لا يناسبهم، عليهم أن يسألوا أنفسهم لماذا؟ وعليهم أن يجيبوا وأن يتقوا شر السؤال في المستقبل. الثوار والثورة بحاجة إلى راحة، لترتيب الأوراق ومن ثم النهوض على قواعد واضحة المعالم، والعمل على برنامج واقعي صالح للتطبيق حتى لو كانَ بطيئاً.

فالثورة وما جاء فيه من مطالب، أن الشعب يريد اسقاط النظام، ليختار هو ولو لمرة واحدة الحرية في اختيار من يمثله ويحكمه. لماذا إذن تعتبرون أن خيار الشعب سواء أكان مرسي أو شفيق ضياعاً للثورة ولدماء الشهداء؟ مع أن الشعب هو من اختارهم. ولماذا تعتقدون أن الرئيس القادم سيفسخكم؟ والسؤال الأهم، لماذا ستسكتون إن داسَ بنعلهِ على رؤوسكم؟

باعتقادي كان من المفترض أن تكون أهم افرازات الثورات العريبة وخاصة في مصر، أن يصبحَ المواطن واثقاً أنهُ لن يأخذ حقّه أحداً بناءً على قاعدة أنني مواطن صالح، واستحق الصلاح. فمن خلال هذه القاعدة نستطيع أن نحصل على مواطن يحترم نفسه ويبحث دائماً وأبداً عن حقه على اختلافِ الحاكم.

وأخيراً وليسَ آخرا، هذه سياسة يا حبيبي وما تفعلونه أنتم يسمى تهقيص.

محمود المنيرواي

فلسطين / رفح

وصلت الرسالة يا سيادة الرئيس

أبريل 9, 2012

كتبَ السيد رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عبّاس “أبو مازن” مقالاً نُشر السـبت 07/04/2012 في بعضِ الوكالات المحلية بعنوان “يهود العراق“، وختمَ هذا المقال بإجابةٍ على سؤالهِ الختامي الذي لم يكُن الغرض من طرحهِ -حسبما أعتقد- الإجابة فقط.

بعد انتهائي من قراءة المقال، شعرتُ بأن السيد الرئيس يريدُ أن يوجّهنا لأسلوبٍ من أساليبِ المقاومة الشعبية التي يتبناها ويعملُ بها ويُؤمن بأنها السبيل لانتصارِ قضيتنا العادلة. كانَ يحاولُ أن يقول، أن هناكَ الكثير من الثقوبِ في الجسدِ الإسرائيلي لو تتبعنا ليسَ تاريخنا فحسب، بل تاريخهم أيضاً، فإن بإمكاننا استثمار تلكَ الثقوب فيما يتوافق مع الحق، وبهذا يمكننا الانتصار، فالانتصار لا يستحقه إلا من يعرفُ الطريق إليه.

فالحديث الذي أوردهُ على لسان الشاعر اليهودي من أصل عراقي “ابراهام عوبديا”، والذي استخلصَ منهُ النُقاط الثلاث التي تدرجَ في أهميتها -حسبما رأيت- من المهمةِ أولاً فالتي أهم منها ثانياً ومن ثم الأهم أخيراً. كانَ أولها ذكر مأثرة قديمة للهيئةِ العربية العليا لفلسطين والتي شُكّلت عام 1964م بموجب قرارٍ من جامعةِ الدول العربية، وكأنهُ يسأل بمواربةٍ فيها من العتابِ ما يُخفي دهاءه، أينَ العرب الآن من القضيةِ الفلسطينية وخدمتها ولو بتقديمِ المساعدات للطلبةِ الفلسطينيين؟، وثانيهما هي فرصة الانتصار لأنفسنا بالعودةِ لقراءةِ تاريخنا وفهمهِ واستذكار قيمنا والعمل بها، فهي التي استطاعت جمع الديانات السماويةِ الثلات لغايةٍ نبيلة، وأخيراً، النقطة الثالثة وهي الأهم، هو أننا كشعبٍ واثقٍ من أصلهِ وفصلهِ بإمكاننا أن ننتصر لقضيتنا العادلة من خلالِ بشاعتهم وزيفهم كذبهم وزورهم وبهتانهم. كأنه يذكرنا بالحديثِ النبوي القائل “من تعلم لغة قومٍ أمنَ شرهم”، وهذه ليست بالتأكيد دعوة لتعلم اللغةِ العبريةِ فحسب، بل لمعرفةِ الأصل العبري وربما اليهودي. إنها دعوة للعثورِ على الجذور.

كانَ السيد الرئيس يحاولُ أن يقول، هناكَ الكثير من الحصى الصغيرة التي لو حركناها جيّداً، قد تساعدنا فعلاً في هدمِ معبدهم “المزعوم” فوق رؤوسهم. كانَ يحاولُ أن يقول، اعتمدوا على عدالةِ قضيتكم وزيفِ روايتهم، والرسالة وصلت يا سيادة الرئيس. وأتمنى أن تكون وصلت اخواننا العرب أيضاً.

- في مثل هذا اليوم من سنة 1936 ولدَ غسان كنفاني، وفي نفسِ التاريخِ من العام 1948 قتلتْ العصابات الصهوينية 254 قروي فلسطيني في قريةِ دير ياسين غربي مدينة القدس مُخلّفة وراءها مجزرة لا تُنسى.

9 أبريل 2012

محمود المنيراوي

مقابلة صحفية مع هناء

أبريل 5, 2012

-          هل أنتِ بصحةٍ جيدة؟

-          إن كُنتَ تقصد جسدي ما بعدَ الصيام، فنعم تحسن قليلاً، لكني خائفة كما لم أخَفْ من قبل. ثقيلةٌ بكم، أشعر أنني صندوق كبير ألقيتم فيهِ كُل تعبكم، فتعبت وارتحتم. أراكم جميعاً تقولون لي بصوتِ الرجاءِ -دون أن تقولوا لي شيئاً- “ليسَ عليكِ أن ترتاحي يا هناء”.

-          أشعر يا سيدتي أنكِ تجمعيني مع من تتحدثين عنهم!؟

-          نعم. لستُ أستثنيك، أنتَ منهم. أوّلهم ربما. وجودك هنا وحده كفيلٌ بتعبي، أنتَ رأس الرمحِ الثقيل الذي أعطيتموني إياه، هل تفهم أيها الصحفي؟

-          عفواً سيدة هناء، لم أعتقد أن وجودي سيكون مزعجاً إلى هذا الحد، مع أنني أجهل حقيقة ما يدفعكِ لأن تقولي مثل هذا الكلام. مع احترامي الشديد لحضرتكِ، كان بوسعكِ أن تقولي لي أنكِ ترفضين إجراء المقابلة، سأنصرف، وينتهي الأمر عند ذلك.

-          لا تغضب، أنا أبداً لا أقصد ما فهمت. قصدتُ فقط أنني أريدُ أن أرتاح، وربما قُلتَ لكَ كل هذا الكلام لتنقذني.

أعدتُ تشغيل “الريكوردر” مرة أخرى بعدما كنت قد أطفئته، ولوّحت للمصوّر ليقترب سريعاً. أحاول أن أختطفَ منها خبراً حصرياً للقناة. كنت أعتقد أنني الوحيد الذي سمعَ آخر كلمة قالتها السيدة هناء، لكن ها هم الصحفيين يتكومون حولي وحولها، يقرّبون أجهزتهم التسجيلية من هناء، ويسألونها كلّهم في آن واحد أسئلة مختلفة تدور في فلك الخطر.

- “ننقذكِ ممن سيدة هناء؟”

- “سيدة هناء هل من أحدٍ يتعرضُ لكِ؟”

- “هل وصلتكِ تهديدات؟”

- “أي نوعٍ من الخطر قد تتعرضين له؟”

- “هل سبب الإضراب أي نوعٍ من الخطر المُحدق على صحتكِ؟”

- “من تتوقعين أن يكون صاحب مصلحة في إيذائكِ؟”.

وأسألة أخرى لم أستطيع إحصائها. فانصرفتُ قاصداً إنقاذها.

بأي صفة؟

أبريل 1, 2012

 

30,000 مزارع من أنحاء العالم وبضمنهم مزارعون فلسطينيون يشاركون في معرض أغرو ماشوف الزراعي في إسرائيل“. كانَ هذا عنواناً للخبرِ الأول في موقعِ وزارة الخارجية الإسرائيلية اليوم الموافق 1/4/2012، كانَ الخبر الذي يتحدث عن الفلفل والطماطم والزهور المُصدّرة من غزة إلى أوروبا، يتحدّث أيضاً عن “مزارع فلسطيني يجتمع بوزيرة الزراعة الإسرائيلية على هامش مؤتمر أغرو ماشوف الزراعي في تل أبيب” كما نقل الخبر.

لم يكُن هذا السبب الرئيسي في نقلي لهذا الخبر هنا على مدونتي، وإنما نقلتهُ لأنني وبعد “بعبشة” بسيطة جداً، اكتشفتُ أن الخبر موجود ضمن قائمة أخبار بعنوان “مساعدات للفلسطينيين” هذه القائمة التي احتوت على العديد من المساعدات حسبما هو مذكور !!!

خطر سؤالان في بالي :

1-      بأي صفة تقدم إسرائيل للفلسطينيين مساعدات؟

2-      بأي صفة يقبل الفلسطينيون المساعدات؟

عزيزي القاريء، أنا طبعاً أقصد “مساعدات” بمعناها الواضح جداً، لذا أتمنى أن أجد إجابة واضحة على هذه الأسئلة البسيطة، وخاصة من المزارع الفلسطيني الذي التقى بوزيرة الزراعة الإسرائيلية “في إسرائيل”.

محمود المنيرواي

فلسطين – غزة

الحقيقة بحاجة لرجال

مارس 31, 2012

“على المرءِ أن يتقيد بمبادئه” كانت هذه آخر جملة قالها الممثل الإنجليزي (Ralph Fiennes | رالف فاينس) قبل أن يضعَ فوهةِ المسدس في فمهِ ويضغط الزناد مُنتحراً، لا لشيءٍ سوى أنهُ كانَ يُعاقب نفسه – كانَ يظن أنهُ قتلَ طفلاً عن طريقِ الخطأ أثناءَ قتلهِ لأحد رجالاتهِ الذي كانَ قد قتلَ طفلاً في عمليةٍ ما بإنجلترا عن طريقِ الخطأ أيضاً – والحقيقة أن رالف قتل رجلاً بالغاً لكنّه كانَ قزماً. كانَ هذا المشهد بعدَ مُضِي 1:35:37 من فيلمِ “In Bruges“.

اختطفتُ هذا المشهد من هذا الفيلم لأنّه المشهد الذي استطاعَ أن يُمسكني بقرفٍ وازدراء من قَبّة قميصي ويُغرقني في المشهدِ الفلسطيني المُسربل بالنكات والغباء. فلو كانَ أحدهم –أقصد فتح أو حماس- بدلاً من رالف فاينس في هذا المشهد، لاختاروا أن يفرغوا باقي طلقات المسدس في القزم نفسه متّهمينه بالتواجد في شارعٍ عام أثناء محاولة أحدهم قتل الآخر، ومن ثم أفرغوا بجسدهِ المُسجى على الرصيفِ باقي رصاصات المسدس. سيفعلون ذلكَ دونَ شكٍ لئلا يعترفوا مرة واحدة بالحقيقة، فالحقيقة بحاجةٍ لرجال يتحملون عواقبها.

الدجاجة قبل البيضة

مارس 12, 2012

صدقَ أخونا في الله حينَ قال “أوجعيني يا جراحي أوجعيني“. عن أي انتصارٍ تتحدث يا خليل؟. البقاءُ أبداً لا يعني الانتصار يا صديقي، خاصة حين يكونُ البقاء ليسَ خياراً من إحدى الخيارات المُتاحة، بكل بساطةٍ هذا هو خيارنا الوحيد. وليسَ بمقدورك ولا عدلكَ أن تُسقط لا أنتَ ولا غيرك عليَّ وعلى الآخرين أن بقاءنا صمود وتحد وأننا ذوو بأسٍ شديد !!!. لا يا خليل، هذا ليسَ من حقّك. جرّب مرة أن تجعلنا مُخيّرين. والناسُ تحبُ الحياة ما استطاعت إليها سبيلاً.
هكذا يقولُ درويش، الشاعرُ الذي عرفَ كيفَ سيموت وماذا سيرى وإلى أينَ سوف يذهب. أتدري لماذا كان يعرفْ؟ أتدري لماذا كان يقولُ كل ما يقولْ؟. لأنهُ كان الوحيد الذي يعرفُ ماذا نقولُ حينَ لا نقول.
كان وحدهَ الشجاعُ الذي استطاعَ أن يتلصص على وساوسنا دونَ أن يتأذى من جُبننا ليعود لشخصه سالماً مُعافى، وليرتب الكلام كما يجب، ثم يقولُ ما يقولْ. وهذا هو ذاته الذي جعله فينا الصادق الأمينا.
يا صاحبي فلنترك درويش قليلاً، الرجل الذي لا نستطيع الهرب منه، ولنعد لحديثنا، وأرجوك خذني على قدر عقلي وأفهمني فرأسي ثقيل. كيفَ يُمكن أن تكون الدجاجة قبل البيضة في الوجود يا خليل؟

13 مارس 2012

العهد الجديد

فبراير 21, 2012

كُل ما أدرجتهُ سابقاً له، أما القادم فهو لي.

ملاحظة : لا فرقَ أبداً بينَ (له) و(لي) -بعيداً عن اللغةِ وفذلكتها-، سوى اختلافِ الأزمان والأدمغة.

هل في وفاةِ شيخ المناضلين وفاة للنضال؟

يناير 26, 2012

26 يناير 2012

لقد ماتَ النضال قبل موتِ شيخه «بهجت أبو غربية» يا محمود.

________________________________________________________

* هذا ما قُلتُه لنفسي، وأتممتُ تدوينتي بنقطةٍ آخر السطر.

الجنون العصري، من بوعزيزي تونس إلى علياء مصر

نوفمبر 21, 2011
الناشطة المصرية علياء المهدي

الناشطة المصرية علياء المهدي

البارحة بينما كُنت اتابع مشروع كورال على صفحةِ الفيس بوك، بعد أن صار لهم صفحة خاصة بهم ينشرون من خلالها أعمالهم ويستقطبون من خلالها الأصدقاء كتبتُ تعليقاً على أغنية “إيه العبارة – مشروع كورال” حينَ نشرتها لهم على صفحة الفيسبوك خاصتي أقول: “رائعون بلطجية العصر الجديد، انهم يمارسون بلطجتهم أو بلطجيتهم على كُل ما هو ثابت حتى الموسيقى، يصنعون عصراً خاصاً بهم، دونَ أي تردد أو خجل، فقط لأنهم يؤمنون بأنه من الشرعي أن يكون لقدَمِهِم أثر في التاريخ ..إنه عصرنا”…هُناكَ تمرداً عربياً شبابياً براغماتياً يشبه الاعصار يحوم في كُل زقاقٍ عربي فهناك صراعٌ دائرٌ الآن بينَ القديم والجديد بطريقةٍ لافتة ربما تكون الأخطر على مر التاريخ العربي.

مع أننا نُسحر بكلمات الشاعر محمود درويش: “ونحن نحبُ الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا”، وكأننا نقولُ في دواخلنا أن هذا هو التعريف، على الرغم من أنه تعريفٌ أدبي لماهية الحياة، إلا أننا نستشعر أنه تعريفٌ جامع وشامل، خاصة أن شاعرنا كان مجازياً في طرحهِ للحياة مستخدما، في ذاتِ الوقت، قوةَ القرآن – كتاب المسلمين- من خلال اقتباسه لآية وتحويرها بطريقةٍ تخدم فكرته، التي لا اعتقد أنها تقف عند الاعتراف بقوةِ لغةِ القرآن، لأنه سيكون كغيره لم يأتِ بجديد، وإنما كان يقصد كيفَ للأشياء جميعها أن تتماهى، الدين والأدب والفلسفة والإنسانية لنستطع للحياةِ سبيلا.

لذلكَ أنا مندهشٌ جداً بمحمد بوعزيزي “كبريت” الثورات العربية، وللدهشة وجهان فلولاه لما شهدنا التاريخُ العربي المعاصر، الذي لم يُكتب إلا منذُ أشهرٍ بسيطة، ولما حدثَ هذا الزلزال الذي هزَّ عروش ظُلامنا. ولهذا انا حزينٌ جداً ليسَ لأنه لم يرى معنا كُل ما نراه الآن فقط، بل لأنه من فطرِ ضيقهِ من ضيقِ الحياة وسبلُها قرر أن يفقدها وتفقده. فالتونسي محمد بوعزيزي لم يكن عليهِ أن يتصرف كما تَصرف، فالتبشير والتنظير لفكرةٍ تستحق الحياة، ولا تستحق الموت أو الانتحار على وجِه الخصوص، فبوعزيزي شئنا أم أبينا انتحر ولن اناقش هُنا.. انتحر أم لا؟ هل نحسبه شهيداً؟ هل يدفن في مقابر المسلمين؟ فكُل هذا لا يعنيني أبداً، ما يعنيني حقيقة أن الجميع صفق لبوعزيزي لأنه كان شجاعاً حدّ أنه احرق جسده، مع أن الحقيقة تقول أنه كانَ ضعيفاً ومضطهداً إلى الدرجة التي دفعته للانتحار كي يستريح، الجميع كان يُفكر بأينَ سيدفن بوعزيزي؟ وهل سيدخل الفردوس أم طبقة أخرى في الجنة؟، ولم يُفكر أحدنا بأن الحبيب بوعزيزي اهدر روحه، مما لا يتناسبُ أبداً مع طبيعتنا البشرية ورغبتها في الحياة أو حتى الخلود، هو ذاته خرجَ من طبيعتهِ البشرية ليصيرَ حجراً فتحطم بالكلية، ونحنُ حينَ صفقنا له خرجنا من طبيعتنا البشرية لنصيرَ حجارة تحطمت جزئياً، وبالقياس المنطقي العقلاني للفعل نستطيع أن نحسبهُ “مجنونا”، لأن الحقيقة تقولُ ذلك، وهذا ما ابغى التوصل إليه أولاً وأخيراً في حادثةِ بوعزيزي.
أما علياء ماجدة المهدي المصرية التي تَجردت من كُل الطوابع والأختام التي طُبعها المجتمع المصري على قلبها وعقلها حتى خرجت لنا من نفس النوافذ الثورية التي هزت العالم العربي عارية، أدرجت صورتها على التويتر والفيس بوك ومدونتها الخاصة أيضاً لكنها لم تكن تقصد العُري بذاتهِ –الذي قصده معظم زوار صفحتها- بل قصدت مطالبة الجميع بالتحرر من العُقد الجنسية التي تُغلف المجتمعات العربية، حينَ طلبت أن “حاكموا الموديلز العراة الذين عملوا في كلية الفنون الجميلة حتى أوائل السبعينات و اخفوا كتب الفن و كسروا التماثيل العارية الأثرية, ثم اخلعوا ملابسكم و انظروا إلي أنفسكم في المرآة و احرقوا أجسادكم التي تحتقروها لتتخلصوا من عقدكم الجنسية إلي الأبد قبل أن توجهوا لي إهاناتكم العنصرية أو تنكروا حريتي في التعبير”.

علياء المهدي صالت وجالت في يومي اليوم والبارحة أيضاً ولم تُغادرني دقيقة واحدة، كُنتُ أراها تتجلى أمامي ولكنها كانت ترتدي الجاكيت الكايبوي الأزرق الذي كان يلبسه بوعزيزي في صورةٍ شهيرة له أغرقت العالم الافتراضي، مع أن كلاهما يعتمدان على مرجعيات مختلفة عن بعضها البعض بالكلية، بغض النظر عن رأي الشارع في كون بوعزيزي قتيل أم شهيد، أو في كون علياء بطلة أم عاهرة، فأنا هنا لست بصدد الحكم على سطحية الحدث أو الأشخاص، وإنما بصدد فهم الحدث دوافعه ونتائجه.

علياء كانت ابنة بارة لنفسها ولأفكارها –بغض النظر عن ماهية الأفكار- وكان حدثتها الذي أثار ضجة وصخب كبيرين جداً، نابعٌ من الاضطهاد والخنقة التي تشعر أن مجتمعها المصري خاصة والعربي عامة غارق بها من أخمصِ القدمين إلى الشعر، فاستهدت من خلال ثقافتها إلى فكرة الاعتراضِ بالتَعري، اندفعت هي أيضاً إلى ما هو غير طبيعي ومألوف ومقبول إنسانياً ودينياً ومجتمعياً –حسبما تدّعي الحضارة العربية الإسلامية المعاصرة-، لتكونَ النتيجة أيضاً بأن حدثتها الخارج عن المألوف أقربُ للجنون، أو هو الجنونُ بحدِّ ذاتهِ، لأن الحقيقة تقول الآن وحسب الطبيعة البشرية أن علياء –خائفة- بسبب كيل التهديدات التي وصلتها، هذا إلى جانب كيل البلاغات التي وصلت النائب العام ضدها، إذاً هي خسرت المجتمع بأكمله إلا بعضُ الأصدقاء حولها، إذاً أليست هذه مُخاطرة ؟ وأليسَ الموتُ أخفُ وطأة من الموتُ المتوقع؟، وأن يُقدم أحدهم على خطوة مماثلة في مجتمعٍ عربي مشوب بالمحددات، فإنه قد لفَّ حبل المشنقة حول رقبته، ليبقى خائفاً دائماً وأبداً ممن قد يشدَّ الحبل في أي وقت، وهذا هو الجنون بحدِّ ذاتهِ كما ذكرتُ سابقاً وهذا أيضاً ما أودُّ التوصل إليهِ في حادثةِ علياء.

إذاً لا أرى أيُ فرقٍ بينهما في شكلِ الحدثِ وتسميته، كلاهما اندفعا للجنون، اعتراضاً على واقعٍ يعيشانه؟
الآن وبعد كُل هذا التفصيل استطيع أن اقول أنني استغرب فعلاً ماهية المجتمعُ العربي وردود افعاله وكيفية التعامل مع الأمور والأخبار والصدمات وحتى الأفراح، وكيفَ أنه يأخذُ الأمور إلى منحنيات غريبة يضللون فيها انسانيتهم، فقد كان الأولى أن يصبّوا كُل غضبهم هذا المصبوب الآن على علياء مصر وصورتها، على التونسي محمد بوعزيزي، لأنهُ –حسبما أوضحت سابقاً – لم يكن عليهِ أن ينتحر لنحيا، أن يموت لنصحو!، أما علياء فهي الأخرى اندفعت لانتحارٍ غير مباشر، انتحار على يدِ غيرها، حينَ افقدت المجتمع العربي بكامل محدداته صوابه، فاستشر غضباً وكشّر عن انيابه.

ذكرت بوعزيزي هنا وربطته بحادثة علياء لأقول للجميع أن الموت أكثر جرماً من العُري، فلا نلومن غيرنا إن تصدّعنا وتحطمنا بالكامل وسقطنا يوماً، والنون هنا في الأفعال السابقة كضمير متصل لا يعود على الشباب العربي، بل على مجتمعاتنا العربية بمجملها التي لا تسمحُ للشباب العربي بأن يعلو صوته إلا إن قفزَ عن جدار المحددات جميعها.
أما النقطة الأكثر جوهرية بالنسبة لي، والتي كان بسببها التفصيل الكثير في الأعلى، أنني أحاول جاهداً ايصال رسالة إلى الجميع ذكراً أكان أم أنثى، كبيراً أم صغيراً أن الشباب العربي الآن في ورطة حقيقة ويغرق في حيرةٍ لا مفر منها، لأن الجميع وخاصة الأجيال السابقة لنا/لهم باتوا يضعون أصابعهم في آذانهم ويغشون عيونهم، مما يدفع الشباب العربي إلى الاندفاع لـ “الجنون” والخروج عن المألوف والطبيعي والديني والموروث، ليستطيعوا أن يجذبوا الجميع نحوهم، وكأن أفعالهم صرخة “ميل جيبسون” في فيلم “براف هارت”. إنهم يعانون ويبدو أنهم بدأوا يقتنعون أن الجنون وحده من يستطيع أن يجعل أولئكَ الذين لا ينظرون إلينا إلى الالتفات قليلاً، ولكن بعيون مفنجلة وضغطٍ عالٍ، وهذه حادثة خطيرة وحديثة من نوعها في التاريخِ العربي الإسلامي، وهذا ما يمكنكم استنتاجه من خلال الثورات العربية من كمية الشهداء الذين سقطوا في ثورة ليبيا أو الذين يتساقطون في اليمن والبحرين وسوريا ومصر حالياً، إنهم يندفعون للموت دون أيُ شعورٍ بالخوف، فهل لو استمر هذا الجنون بالاستمرار، سنستعيدُ انسانيتنا؟ ام سنفقدها؟
بالمناسبة، كي لا اتهم بالتعرض للشهداء الذين أجلّهم، عليكم قراءة -تاريخ الجنون- للفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو.

محمود المنيراوي

فلسطين – قطاع غزة – رفح

أكلْ الهدية وكسرْ الزبدية

أكتوبر 6, 2011

هل فكّر أحدَ القادة العُظام في كافةِ الأحزاب والتنظيمات على الساحةِ الفلسطينية، وخاصة أولئك التي تدّعي إسرائيل بأنهم يشكلون خطراً عليها، أن يطلبوا من إسرائيل الإفراج عن عدد من الأسرى مُقابل أن يكون هو بديلاً عنهم في سجونِ الإحتلال، خاصةً أن بعضَ القادة يدّعونَ بناءً على إدّعاء إسرائيل السابق أنهم يزنونَ ذهباً بالنسبةِ إليها، هذه مجرد “فكرة طَقِع” كما يقول اخوتنا في الشجاعية.

لكن على كُل حال، أنا أعتقد جازماً أن مثل هذه الأفكار الطَقِع لن تُعجب قادة الكرتون على الساحةِ الفلسطينية، وأبداً لا يستطيعون التخلي عن الرفاهية التي يتمتعون بها مُقابل أن تصل نسبة الفقر في غزة إلى 80%.
كما يبدو أن الخطاب التاريخي الذي هزَّ الأمم المتحدة وكراسيها، لم يكتفِ بهذه الهزّة فقط، بل عملَ على “هزهزة” باقي القضايا الوطنية، لدرجةِ أن سيادة الرئيس محمود عبّاس غفل عن أهم القضايا الوطنية، فكما يقول المثل الفلسطيني القديم «أكل الهدية وكسر الزبدية»

هذا بجانب أنني اسألُ فعلاً، أينَ أهل الأسرى؟ وهل فعلاً الـ 20 عائلةِ المتواجدة كُل صباح اثنين داخل حرم الصليب الأحمر وخارجهِ هم فعلاً كُل عائلات الأسرى في سجونِ الاحتلال الاسرائيلي؟، أم أنَّ هُناكَ عائلات غير متواجدة؟ وهل هذه العائلات الغير متواجدة، تخلتْ عن أسراها؟ أم أنها اكتشفت أن التجمهر والتنديد أمام الكاميرات لن يُعيدَ لهم فقيداً!؟

ماذا فعلنا بشأن الأسرى على مدارِ السنوات الكثيرة الماضية؟ وماذا فعلنا أيضاً في هذا الوقتِ بالتحديد؟ في الوقتِ الذي يضرب فيهِ الأسرى عن الطعامِ لليومِ الثامن على التوالي؟ خرجنا في الشارع في مسيرةٍ حزبية وليستْ بحاشدة لمدة لا تتجاوز النصف ساعة ورفعنا فيها صورهم وراياتنا الحزبية!، ثم ماذا؟ أسنعقد اجتماعاً موسعاً غداً لقادةِ الأحزاب لنكتب مقالاً مندداً لإسرائيل ولجيش الإحتلال؟ ثم ماذا؟

الأهم أن بعضَ التجمعات الشبابية النقية جداً، تقبل أن تورّث هذا العفن المتأصل في أحزابنا الهرمة، وتكون كمثالٍ صغيرٍ لحزبٍ ما.

أعتقد أن قضية بحجمِ قضيةِ الأسرى بحاجةِ لدراسة، ولا أعتقد أن لا يكون هناكَ إجماعاً وطنياً بخصوصهم كباقي القضايا الوطنية العالقة، وإلا فعلينا أن نُغني جميعاً أغنية «راحت يا خالليزن الروسان».

محمود يحيى المنيراوي

فلسطين – رفح

6-10-2011


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.